بين الأصالة والسطحية: قراءة في كواليس معرض شخصي

حضرت معرضاً شخصياً أقيم مؤخراً، والذي جاء مخيباً للآمال على مستويات عدة، كاشفاً عن فجوة حقيقية بين ما يُطرح وما يُفترض أن يقدمه العمل الإبداعي الأصيل.

تكشفت خلال المعرض ممارسات تثير التساؤل حول مدى استيعاب من يدعي الانتماء للفن وهو يجهل أبجديات ممارسته. فقد بدا جلياً وجود سطحية واضحة في فهم الفرق بين الموضوع والأسلوب -ناهيك عن أساسيات الفن ومضموناته وفلسفاته-، وترافق ذلك مع غياب التناظر البصري بين عنوان المعرض وما تحمله الأعمال من دلالات ومضامين (هذا بافتراض أنها بنيت على مضامين ورسالة). هذا الانفصال المفاهيمي أفرز معرضاً يبدو مهلهلاً، عنوانه لا صلة له بالمعروضات، وموضوعه إنشائي هش يخلو من العمق الفكري أو الإبداعي.

لم تقتصر الإشكالية على المفاهيم المبتورة، بل تعدتها إلى ما هو أدهى؛ إذ تبين أن العديد من الأساليب والأعمال المعروضة منسوخة بنسب كبيرة من تجارب أخرى لفنانين مختلفين، مما أفرغ الأعمال الفنية من روحها، وحول صالة المعرض إلى انعكاس لجهد مكرر لا يمت للإبداع بصلة. وحين حاولت أنا شخصياً الدخول في حوار نقدي مع صاحب المعرض، اصطدمت بعجز تام عن تلمس أبجديات النقاش الفني الثقافي، حيث تأتي الإجابات في وادٍ غير وادي الأسئلة، مما يعكس غياب الفهم والوعي حتى بما تم نقله واقتباسه من الغير.

على الصعيد التقني، انشغل من يدعي الابتكار بالحديث عن تكنيك التلوين ومعالجة الخامات باعتبارها طريقة خاصة ابتكرها من بنات أفكاره، متجاهلاً أن العصر الحالي تجاوز مرحلة الاكتشافات السذجة في استخدام المواد. الأسوأ من ذلك هو توظيف خامات ومواد بطريقة خاطئة وغير متوافقة، مما أدى فعلياً إلى ظهور آثار التلف والاهتراء على بعض الأعمال المعروضة، خصوصاً في أطرافها، وهو دليل قاطع على غياب المعرفة الأساسية بتقنيات الحفظ ومواد الرسم. إن محاولة تقديم تكرار مستهلك على أنه تجربة خاصة، مع إفساد المواد بسبب الجهل التقني، هي تضييع للوقت والجهد في غير محله.

في الختام، إن ما رصدته في هذا المعرض وفي هذه التجربة يقرع ناقوس الخطر حول ضرورة الارتقاء بمعايير العرض والتقييم، والتشديد على أهمية الأصالة، والوعي التقني والمفاهيمي، حمايةً للمشهد الثقافي من الاستسهال والتسطيح.

وبس والله..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حجر الأساس لفهم سوق الفن

يا مرحبا