المشاركات

تضخيم أسعار أعمال الفنان وكيفية النجاة منها (المقالة الأخيرة)

بعد أن استعرضنا في المقالة الأولى مفاهيم السوقين الأولي والثانوي، وتطرقنا في المقالة الثانية إلى شبيهاتها المالية في آليات "أسهم الخشاش"، نصل اليوم في هذه المقالة الثالثة والآخيرة في هذة السلسة: ماذا يحدث عندما يقع الفنان بالفعل في فخ التضخم السعري؟ وما تبعات لذلك؟ وكيف يمكن تجنب هذا المأزق؟ حين يتم دفع أعمال الفنان إلى منطقة سعرية مصطنعة لا تعكس قيمتها الحقيقية في السوق، تبدأ سلسلة من الأزمات التي تضر بالفنان والمقتني على حد سواء. أولا يتوقف السوق الثانوي عن بيع الأعمال ويؤثر ذالك على السوق الأولي (في حال كان السوق الأولي مستجيب للارتفاع الوهمي في السوق الثانوي- وإن لم يستجب فهو في أمان تام). فلا يستطيع المقتني تصريف أعمال مبالغ في قمتها، لينتهي بالمقتني المطاف إما محتفضاً بالاعمال على أمل أن يرتفع السعر العادل إلى نفس مستوى سعر الشراء أو يبيعها بخسارة (ولو حدث ذالك فسوف يدمر هذا المقتني سمعة الفنان في سوق الفن و قد يهدم ثقة السوق بالإستثمار بالفنان). وفي أحيان كثير يصاب إنتاج الفنان بالشلل حيث تتكدس الأعمال في مرسمة لتجعله في بعض الأحيان محبط ولا يقدر على الانتاج مطلقاً. كم...

فخ التضخم الوهمي لأسعار أعمال فنان

 استكمالاً لما طرحناه في المقالة الأولى حول ثنائية "السوق الأولي" و"السوق الثانوي"، ننتقل الأن إلى كشف كيف يتم التلاعب بهذين السوقين لخلق فقاعات سعرية وهمية. وهنا تتجلى بوضوح شبة مذهل بين ما يحدث في خبايا سوق الفن المعاصر، وبين واحدة من أخطر ألعاب المال والأعمال: "أسهم الخشاش" في سوق الأسهم. ما هي "أسهم الخشاش" وكيف تدار اللعبة؟ تُعرف "أسهم الخشاش" في الأسواق المالية بأنها أسهم لشركات ضعيفة مالياً، تكون مطروحة بكميات قليلة وأسعار منخفضة جداً. وتبدأ اللعبة عندما يقوم أحد كبار المضاربين أو ما يُعرف بـ "الهامور" أو مجموعة ضيقة من المضاربين بالاستحواذ شبة الكلي على كل ما هو متداول من هذه الأسهم في السوق وسحبه بالكامل تقريبا. حيث يحدث الإجراء هذا أمرين خطيريني: الاول هو تجفيف السوق بحيث لا يتبقى تقريبا أي سهم حر للشراء، مما يصنع "طلباً وهمياً" مبالغاً فيه. الثاني هو رفع السعر اصطناعياً حيث يقوم المضارب أحياناً بشراء السهم لنفسه بأسعار مرتفعة جداً لمجرد وهم الصعود.  حين يرى المستثمر الصغير هذا الارتفاع الجنوني، يظن أن السع...

حجر الأساس لفهم سوق الفن

 حين ننظر إلى عالم الفن بمعزل عن الاقتصاد، نتخيله فضاءً خالصاً للتعبير الجمالي والمشاعر الإنسانية. لكن حين ندخل كواليس هذا العالم، نكتشف أنه خاضع لقواعد سوق صارمة لا تقل تعقيداً عن أسواق المال والأعمال. وفهم هذه القواعد يبدأ من استيعاب التقسيم الأساسي والأهم في خارطة الفنون: السوق الأولي والسوق الثانوي. 1. السوق الأولي: حيث يتحكم الفنان: السوق الأولي هو المحطة الأولى لأي عمل فني؛ فهو يمثل عملية البيع الأولى للوحة أو القطعة الفنية بعد خروجها من مرسم الفنان. في هذا السوق، يكون الفنان طرفاً أساسياً ومؤثراً مباشراً، إما بالبيع المباشر من أستوديو الخاص، أو من خلال وسيط أو وكيل (مثل صالات العرض الفنية التي تُمثله بموجب وكالة). ما الذي يميز السوق الأولي من الناحية الاقتصادية؟ حرية التسعير: الفنان (بالتعاون أحياناً مع الصالة الممثلة له) هو من يحدد القيمة السعرية الأولى لعمله بناءً على خبرته، تكلفة خاماته، ومرحلته المهنية. إدارة الندوة والوفرة: يمتلك الفنان القدرة على التحكم في إيقاع وجوده بالسوق. يمكنه خلق حالة من "الندرة" عبر تقليل عدد الأعمال المعروضة لرفع قيمتها المعنوية والمادية،...

الجمعيات والجماعات الفنية سلاح ذو حدين

  تُعد الجمعيات و الجماعات   الفنية محطة عبور محورية في رحلة الفنان، وغالباً ما تكون مفيدة جداً في المراحل الأولى لتأسيس مهاراته؛ فهي البيئة الحاضنة لتعلم تقنيات الرسم، والتلوين، والتصميم، ومعرفة مصادر الخامات والأدوات من خلال الاحتكاك المباشر بالزملاء. كما تمنح الفنانين الناشئين فرصة تجربة عرض أعمالهم لأول مرة - خصوصاً إن كانت تلك الجهات تملك صالات عرض مخصصة - مما يكسر حاجز الخوف، ويهيئهم لاختبار ردود فعل الجمهور وتقبل النقد الفني. لكن هذه الفائدة، التي غالباً ما تقتصر على أول سنة أو سنتين - بحسب خبرتي الشخصية، تحمل في طياتها تحديات كبرى إذا طال أمد البقاء ضمن المجموعة. فمن واقع ملاحظة المشهد الفني المحيط، قد تتحول هذه الجماعات مع الوقت إلى قيد يحد من إبداع الفنان؛ إذ يجد نفسه منخرطاً في دائرة "الفكر الجمعي" والتقليد، مقيداً بآراء الجماعة ونمطها السائد الذي يصعب مخالفته. والأخطار هنا تتجاوز مجرد تشابه الأساليب إلى ترسخ أفكار ومعتقدات فنية قد تكون مغلوطة. وبالتكرار المستمر قد تتحول إلى ثوابت وعادات ثقافية راسخة يصعب التخلص منها لاحقاً. لذا، تنتهي الحاجة الحقيقية لهذه الجماعات...

المكان يصنع القيمة

كثيراً ما يُعتقد أن جمال العمل الفني وحده يكفي لصناعته ونجاحه، متجاهلين عنصراً محورياً لا يقل أهمية عن العمل نفسه: "مكان العرض". فالمكان ليس مجرد مساحة فارغة لتعليق اللوحات، بل هو البيئة الحاضنة التي تصوغ نظرة المتلقي وتحدد القيمة الاقتصادية والمعنوية للعمل وللفنان على حد سواء. عندما يُعرض العمل في صالات عرض فنية مرموقة، أو بيناليات دولية، أو متاحف مخصصة، فإنه لا يُعرض مجرد عرض عابر، بل يكتسب قيمة مضافة فورية تنعكس على هيبة الفنان. حيث يأتي الجمهور خصيصاً للتذوق البصري والنقد الفني؛ وهم نخبة من المتخصصين والمقتنيين القادرين على تقديم آراء واعية، وتوجيهات حقيقية، وفرص اقتناء جادة. في المقابل، فإن عرض الأعمال في أماكن غير مخصصة للفنون - كالمطاعم والمقاهي والأماكن العامة - يشكل خطورة بالغة على مسيرة الفنان. فهناك، يختلط الفن بأجواء تناول الطعام والترفيه؛ والجمهور الحاضر لم يأتِ ليتذوق الفن بل لتذوق الطعام -على سبيل المثال. بل إن المكان الضعيف أو الرخيص يضعف من نظرة المتلقي للعمل ويقلل من شأنه. معضلة البدايات وبدائلها الأذكى: قد يجد الفنان في بداية مشواره مجبراً على البحث عن مساح...

بين الأصالة والسطحية: قراءة في كواليس معرض شخصي

حضرت معرضاً شخصياً أقيم مؤخراً، والذي جاء مخيباً للآمال على مستويات عدة، كاشفاً عن فجوة حقيقية بين ما يُطرح وما يُفترض أن يقدمه العمل الإبداعي الأصيل. تكشفت خلال المعرض ممارسات تثير التساؤل حول مدى استيعاب من يدعي الانتماء للفن وهو يجهل أبجديات ممارسته. فقد بدا جلياً وجود سطحية واضحة في فهم الفرق بين الموضوع والأسلوب -ناهيك عن أساسيات الفن ومضموناته وفلسفاته-، وترافق ذلك مع غياب التناظر البصري بين عنوان المعرض وما تحمله الأعمال من دلالات ومضامين (هذا بافتراض أنها بنيت على مضامين ورسالة). هذا الانفصال المفاهيمي أفرز معرضاً يبدو مهلهلاً، عنوانه لا صلة له بالمعروضات، وموضوعه إنشائي هش يخلو من العمق الفكري أو الإبداعي. لم تقتصر الإشكالية على المفاهيم المبتورة، بل تعدتها إلى ما هو أدهى؛ إذ تبين أن العديد من الأساليب والأعمال المعروضة منسوخة بنسب كبيرة من تجارب أخرى لفنانين مختلفين، مما أفرغ الأعمال الفنية من روحها، وحول صالة المعرض إلى انعكاس لجهد مكرر لا يمت للإبداع بصلة. وحين حاولت أنا شخصياً الدخول في حوار نقدي مع صاحب المعرض، اصطدمت بعجز تام عن تلمس أبجديات النقاش الفني الثقافي، حيث تأت...

يا مرحبا

 يا مرحبًا، أنا باسل الخراز، فنان تشكيلي وقيّم فني مقيم في الرياض. أمارس الفن منذ فترة طويلة، ولدي شغف بالمعرفة قادني إلى الالتحاق بالعديد من الدورات التدريبية في مجال إدارة الفن والجوانب القانونية المرتبطة بالعمل الإبداعي. كما أدرس حاليًا الماجستير في إدارة الفن والثقافة. أرغب في أن تكون هذه المساحة مكانًا أرتب فيه أفكاري وأشاركها مع الفنانين والمهتمين بالفن في السعودية بشكل خاص، وفي العالم العربي بشكل عام. ستتنوع الموضوعات هنا في مجالي الفن والثقافة، مع تركيز أساسي على الجوانب الإدارية، إلى جانب كل ما يدور في ذهني من أفكار وتساؤلات حول الفن ومستقبله. أهلًا بكم في هذه المساحة، وأتطلع إلى مشاركتكم هذه الرحلة. وبس والله..