فخ التضخم الوهمي لأسعار أعمال فنان
استكمالاً لما طرحناه في المقالة الأولى حول ثنائية "السوق الأولي" و"السوق الثانوي"، ننتقل الأن إلى كشف كيف يتم التلاعب بهذين السوقين لخلق فقاعات سعرية وهمية. وهنا تتجلى بوضوح شبة مذهل بين ما يحدث في خبايا سوق الفن المعاصر، وبين واحدة من أخطر ألعاب المال والأعمال: "أسهم الخشاش" في سوق الأسهم.
ما هي "أسهم الخشاش" وكيف تدار اللعبة؟
تُعرف "أسهم الخشاش" في الأسواق المالية بأنها أسهم لشركات ضعيفة مالياً، تكون مطروحة بكميات قليلة وأسعار منخفضة جداً. وتبدأ اللعبة عندما يقوم أحد كبار المضاربين أو ما يُعرف بـ "الهامور" أو مجموعة ضيقة من المضاربين بالاستحواذ شبة الكلي على كل ما هو متداول من هذه الأسهم في السوق وسحبه بالكامل تقريبا. حيث يحدث الإجراء هذا أمرين خطيريني: الاول هو تجفيف السوق بحيث لا يتبقى تقريبا أي سهم حر للشراء، مما يصنع "طلباً وهمياً" مبالغاً فيه. الثاني هو رفع السعر اصطناعياً حيث يقوم المضارب أحياناً بشراء السهم لنفسه بأسعار مرتفعة جداً لمجرد وهم الصعود.
حين يرى المستثمر الصغير هذا الارتفاع الجنوني، يظن أن السعر حقيقي ويعكس قيمة أصلية، فلا يتردد بالشراء بهذا السعر المصطنع. وهنا تبدأ مرحلة "التصريف"؛ حيث يتخلص المضارب من الأسهم التي جمعها على دفعات للمتداولين الأخرين مستغل جهلهم بقواعد هذه العبة، ويستمر في ضخ إيحاءات وهمية بالطلب خلال عدة موجات متفرقة، إلى أن يخرج الكبار تماماً بعد بيع أخر دفعة من أسهمه، ليهوي السهم تدريجياً إلى القاع، ويتحمل الصغار خسائر فادحة دون أن يدركوا حجم الفخ إلا بعد فوات الأوان.
ملاحظة: سوق الأسهم سوق محوكم ويخضع الى رقابة عالية فمثل هذه اللمارسات كانت تحدث في السابق بحد علمي.
النسخة الفنية: حين يُعامل الفنان كما "أسهم الخشاش":
هذا السيناريو المالي يتكرر بحذافيره في سوق الفن، ولكن بأدوات جمالية وثقافية. حيث يقوم مجموعة أو حتى شخص واحد دور "الهامور" باختيار فنان غالباً ما يكون في مراحله الأولى أو ممن يمتلكون طابعاً بصرياً خاصاً وفريداً يسهل تسويقه أو تضخيم صورته. وتتم اللعبة بعدة مراحل متداخلة في ما بينها:
المرحلة الأولى: تلميع صورة الفنان وأسلوبة الفني والمبالغة فيها وكذل ليتم صناعة مبرر منطقي لكثرة الطلب على أعماله وارتفاع ثمنها. وفي هذه المرحلة يركز كثيرا على الجانب المهاري مثل الدقة او سرعة النفيذ مع الاتقان، وأحيناً يتم حياكت قصص غير حقيقة حول معاني خفية وراء الأعمال أو الممارسة الفنية يصعب نفيها أو إثباتها.
المرحلة الثانية: تجفيف السوق من أعمل الفنان بشراء معظم الأعمال، لتختفي أعمال الفنان أو تكاد أعماله تنعدم، مما يصنع شعوراً وهمياً بندرة هائلة وقيمة متصاعدة. وقد يساعدهم هذا اذا كان الفنان لا يستطيع موكبة الطلب الوهمي هذا، فقد يكون كل منتجه مباع حتى مهو تحت التنفيذ يباع مسبقاً.
المرحلة الثالثة: تضخيم الأسعار بشكل متصاعد بحيث أن سعر الفنان يرتفع بشكل كبير وعلى فترات قصيرة ويتم الاستناد على مبررات المرحلة الأولى والثانية لتبرير ذلك. فيتم إعادة بيع الأعمال بأسعار خيالية في السوق الثانوية ليبدو السعر الجديد هو "القيمة الحقيقية" الجديدة للفنان.
المرحلة الرابعة: مرحلة التصريف والانهيار وتأتي بمجرد أن يطمئن المضاربون إلى نجاح عملية التضخيم ووصولها إلى الحد المطلوب والذي قدرون على تحمله، يبدأون في تصفية ما بحوزتهم من أعمال بالتدريج ليكون عندنا خاسران ورابح واحد. فأما الرابح فهو الهامر، وأما الخاسران فهما الفنان والمقتني.
ملاحظة: سوق الفن شبه حر وليس خاضع لحوكمة او الرقابة كافيتين. وهذا الممارسات حدثت سابقاً ومازلت تحث حتى ا، لآن حسب علمي. وفي الغالب لا تكتشف الى بعد وقوع الكارثة.
هنا يأتي سؤال: في حال تورط الفنان في منطقة سعرية مبالغ فيها، هل يمكنه الخروج منها دون خسائر؟ وما تبعاتها؟ - هذا هو موضوع المقالة القادمة إن شاء الله.
وبس والله..
تعليقات
إرسال تعليق