المكان يصنع القيمة


كثيراً ما يُعتقد أن جمال العمل الفني وحده يكفي لصناعته ونجاحه، متجاهلين عنصراً محورياً لا يقل أهمية عن العمل نفسه: "مكان العرض". فالمكان ليس مجرد مساحة فارغة لتعليق اللوحات، بل هو البيئة الحاضنة التي تصوغ نظرة المتلقي وتحدد القيمة الاقتصادية والمعنوية للعمل وللفنان على حد سواء.

عندما يُعرض العمل في صالات عرض فنية مرموقة، أو بيناليات دولية، أو متاحف مخصصة، فإنه لا يُعرض مجرد عرض عابر، بل يكتسب قيمة مضافة فورية تنعكس على هيبة الفنان. حيث يأتي الجمهور خصيصاً للتذوق البصري والنقد الفني؛ وهم نخبة من المتخصصين والمقتنيين القادرين على تقديم آراء واعية، وتوجيهات حقيقية، وفرص اقتناء جادة.

في المقابل، فإن عرض الأعمال في أماكن غير مخصصة للفنون - كالمطاعم والمقاهي والأماكن العامة - يشكل خطورة بالغة على مسيرة الفنان. فهناك، يختلط الفن بأجواء تناول الطعام والترفيه؛ والجمهور الحاضر لم يأتِ ليتذوق الفن بل لتذوق الطعام -على سبيل المثال. بل إن المكان الضعيف أو الرخيص يضعف من نظرة المتلقي للعمل ويقلل من شأنه.

معضلة البدايات وبدائلها الأذكى:

قد يجد الفنان في بداية مشواره مجبراً على البحث عن مساحات لعرض أعماله لعدم تمكنه من الوصول إلى الصالات الكبرى بسهولة. وهنا تكمن المعضلة؛ فالحاجة للظهور قد تدفعه لأماكن تضر باسمه.

حتى لو أبدى أحد رواد المطاعم أو المقهى -على سبيل المثال - إعجابه بعمل ما، فإن عرضه في المكان الخاطئ يقتل دافع الشراء لديه؛ فالبيئة لا تعكس القيمة السعرية أو النخبوية المطلوبة للعمل الفني.

لذا، إذا كان لا بد للفنان من البحث عن بدائل في مراحله الأولى ريثما تصل أعماله للصلات الكبرى، فإن المعارض الفنية المصاحبة للفعاليات والملتقيات تظل خياراً أنسب بكثير من المطاعم والأماكن العامة؛ لأنها تحافظ على الحد الأدنى من البيئة المهنية والجمهور المهتم. وكذلك معارض الجمعيات الفنية - مع كثرة وجود الهواة فيها - هي خيار ذكي لكل مبتدئ وأفضل من المطاعم.


خلاصة القول: العمل الفني ابن بيئته؛ احمِ قيمتك الفنية وضعها دائماً في مكانها اللائق ليراها من يستحقها حقاً.


وأترك سؤال أخير قبل الختام: ما رأيك في العرض في منصات وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الفنية الافتراضية؟ هل تفيد أو لا؟

وبس والله..


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حجر الأساس لفهم سوق الفن

بين الأصالة والسطحية: قراءة في كواليس معرض شخصي

يا مرحبا